الحكيم الترمذي

154

كيفية السلوك إلى رب العالمين

زادكم صلاة ، وهي الوتر » « 1 » ، فأوجبها عليهم بقوله : إن اللّه زادكم صلاة ؛ ليرفع إليه عمل الليل وترا كما رفع إليه عمل النهار وترا . فلمّا صاروا إلى الفجر أقرت على ما كانت ولم يزد فيها ، وذلك أن تلك الصلاة تطوّل فيها القراءة ، فأقرت على الأصل ليلا ؛ كما أقرت صلاة السفر على الأصل من أجل السفر لئلا تثقل على أهلها ، كما أقرت الجمعة على الأصل من أجل الخطبة لئلا تثقل على أهلها . قال تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] . فلم يجب أن يحرج عباده فقال : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] . وقال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . فلم يجمع عليهم خطبة وزيادة ركعتين ، وسفرا وزيادة ركعتين ، وطول القراءة وزيادة ركعتين ، وتركت على الأصل الذي كان بدءا ، وهما تحقق ما قلنا : إن علة طول القراءة في الفجر هي العلة المتقدمة . إن اللّه - تعالى - قال : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) [ الإسراء : 78 ] . أي : أقم الصلاة لقرآن الفجر ، وإنما انتصب قوله قرآنا ؛ لسقوط اللام . ثم بيّن منزلته فقال : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن - اللّه - تعالى ينزل في ثلاث ساعات بقين من الليل ، فيفتح الذكر الذي لم يره أحد في الساعة الأولى فيمحو ما يشاء ويثبت وينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن ، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر وهي مسكنه ليس معه من بني آدم غير ثلاثة : النبيين والصديقين والشهداء » « 2 » .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ، عن ابن عباس ، حديث رقم ( 11652 ) [ 11 / 353 ] ورواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عمر ، حديث رقم ( 6693 ) [ 2 / 180 ] ورواه غير هما . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة في العرش ، حديث رقم ( 86 ) [ 1 / 93 ] وأورده الطبري في التفسير وعزّاه إلى البزار [ 10 / 412 ] .